تقرير عن المهرجان السياسي-الثقافي في ستوكهولم
- أعدَّ التقرير / زين العابدين شوكاي
- المشـرف على السيمنار
- عقد في ستوكهولم المهرجان السياسي – الثقافي الذي أقامته الرابطة الإرترية للوفاق – السويد، بالتعاون مع المعهد السويدي الصومالي، وبمشاركة فاعلة من أبناء جاليات دول القرن الأفريقي ودول الجوار وهي إثيوبيا وجيبوتي والسودان، وذلك في الفترة الواقعة من 17 وحتى 19 نوفمبر 2006، تحت شعار "السلام والوفاق في القرن الأفريقي – مساهمتك سوف تحدث التغيير".
- بدأ المهرجان مساء يوم الجمعة 17/11/2006، بأمسية ثقافية ألقى فيها رئيس الرابطة الإرترية للوفاق/ ياسين جعفر محمد كلمة الرابطة، كما ألقى رئيس المعهد السويدي الصومالي/ عبد الرزاق آدم كلمة المعهد، وتناولت الكلمتان أهمية العمل المشترك وأهمية البدء بالعمل الثقافي لما للثقافة من أهمية في ربط شعوب القرن الأفريقي ببعضها. وقدمت في هذه الأمسية الرقصات والأغاني التي تمثل فنون المنطقة، حيث بدأ الإخوة من جيبوتي بتقديم رقصات فلكلورية عفرية على أنغام الموسيقى، وهم يرتدون أزياء قومية تراثية. تلى ذلك مساهمة الإخوة السودانيين الذين تطرب أغانيهم عادة كل شعوب القرن الأفريقي، متمثلة في مجموعة من الأغنيات قدمها الأخ/ معاوية عبد القادر، يرافقه على العزف الأخ/ حامد أحمد محمود، وكان أداؤهما لتلك الأغنيات رائعاً حرك في الحاضرين مشاعر واضحة عبر البعض عنها "بالتبشير"، خاصة أغنية "الحب عذاب في كسلا"، التي حركت الإرتريين على وجه الخصوص بحكم ارتباطهم الخاص بتلك المدينة الرائعة.
- أما المساهمة الإثيوبية والتي قدمها الفنان الإثيوبي الشاب/ هينوك أسبي، كانت بحق ذات طابع خاص بكل المقاييس. فبعد أن قدم الفنان أغنية إثيوبية باللغة الأمحرية للفنان الإثيوبي المعروف والقدير/ طلاهن جسّسي، وأخرى تراثية تتحدث عن الحب، قال إنه أضاف إليها من كلماته، قدم أغنيته الثالثة عن مؤذن الرسول والصحابي الجليل/ بلال بن رباح، التي تقول بعض كلماتها التي أخذتها عنه سريعاً: " السلام عليكم، بلال الحبشة، أيها الزاهد الورع الرقيق...... أعطنا من مددك ، وادعنا إلى مائدتك التي تجمع الأبناء والأجداد ....... الخ الكلمات". المدهش في ظاهرة هينوك أنه ينتمي إلى تيار مسيحي توحيدي قديم يقول إنه كان دين النجاشي الذي وعى وأدرك رسالة المسلمين الأوائل الذين التجؤوا إليه فاستقبلهم وحماهم وأكرم وفادتهم، ويقول أيضاً إن بلالاً، رضي الله عنه، بحكم أنه أتى من بيئة النجاشي التوحيدية تلقى رسالة الإسلام بسهولة، فأسلم وصمد في إسلامه رغم ما تعرض له من تعذيب للارتداد عنه، إلاّ أنه ظل يردد "أحد، أحد ......"، كما هو متناقل ومأثور عن سير المسلمين الأوائل في صدر الإسلام.
- والإخوة الصوماليون الذين أطربنا أحد شبابهم بالصوت الشجي الذي لا تخطئه أذن المستمع المتذوق من القرن الأفريقي، كانت إسهاماته بحق جميلة، أماّ كلمات إحدى الأغنيات التي تغنى بها، كما أخبرنا أحد الإخوة من المعهد الصومالي السويدي الذين ساهموا في تنظيم المشاركة الصومالية، كانت تتحدث عن الحب، عن قصة غرام لشاب صومالي لجأ أثناء الحرب إلى إثيوبيا ليفتن بفتاة إثيوبية، إلاّ أن العامل الديني والثقافي يحول دون الزواج منها.
- أخيراً، مشاركتنا نحن الإرتريين كانت رائعة دون أدنى شك، لأن الذي وقف على المسرح كان فناّناً عظيماً وقديراً تغنى لما يزيد عن أربعة عقود بأغنيات كنا نرددها عندما كان الكثيرون مناّ أطفالاً، وما زلنا نرددها ونطرب لها حتى الآن، ألا وهو فناّن الأجيال/ عثمان عبد الرحيم. قدم عثمان في البداية أغنية خليل فرح " عزة في هواك" بكلمات من تأليفه باللغة التقرينية، طرب لها الحضور بقوة، ثم أغنية " حمامات السلام " التي كان سابقاً عثمان قد حملها رسائله من الغربة لتحيي شعبنا ومقاتلينا في الداخل قبل التحرير، إلا أنه حملها هذه المرة رسالة هامة إلى شعوب القرن، وهي رسالة الحب والوفاق والسلام بين هذه الشعوب التي لا مفر لها ولا مخرج إلا أن تعيش في إخاء وسلام. كما أطرب الفنان عثمان عبد الرحيم الحضور بأغنية " أنا أفريقي حُر" للفنان السوداني الكبير / محمد وردي.
- وكان أداء الأخوين/ عبد الرحيم حاج علي وياسين أحمد في تقديم الفقرات الفنية في الأمسية الثقافية رائعاً بشهادة الحضور الذين أشادوا بأداء الأخوين اللذين ظلاّ يبعثان على الحضور روح الحماس والتفاعل مع الفقرات الفنية التي قدمت في تلك الأمسية ومع الفناّنين الذين أحيوا الأمسية باقتدار.
- وفي اليوم الثاني للمهرجان، أي في 18/11/2006، بدأت فعاليات المهرجان السياسي بكلمات ألقيت فيه إيذاناً بافتتاح المهرجان. وكانت الكلمة الأولى للسيدة/شاشتن لوندغرين عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان السويدي، من حزب الوسط. كما ألقى السيد/ يوئيل آلبرج، كلمة باسم أكاديمية " فولكه برنادوت" التي قدمت الدعم المادي الأساسي لإقامة هذا المهرجان إلى كل من الرابطة الإرترية للوفاق والمعهد السويدي الصومالي.
- تلى ذلك المحاضرة الأولى في هذا المنتدى التي ألقاها الأستاذ/ ياسين محمد عبد الله ، مدير مركز سويرا لحقوق الإنسان بعنوان : " حقوق الإنسان في القرن الأفريقي – إرتريا نموذجاً "، تناول فيها كل أشكال الانتهاكات التي يمكن أن تخطر على بال المستمعين، وكانت المعلومات جديدة على معظم الحاضرين، سواء كان ذلك في حجم الانتهاكات أو نوعها. ورغم استعراض الأستاذ / ياسين لسوء الأوضاع في القرن الأفريقي عموماً فيما يخص الانتهاكات التي ترتكب في حقوق الناس بشتى الأشكال ولأسباب متباينة، إلا أنه أكد أن إرتريا هي الأسوأ على الإطلاق بين تلك الدول، لما فيها من انتهاكات جسيمة قل مثيلها في المنطقة والعالم أجمع. واشتملت المحاضرة على محاور رئيسية تميزت بتغطية الكثير من الحقوق المدنية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي طالتها انتهاكات جسيمة من قبل النظام السياسي القائم في إرتريا وأجهزته القمعية من قوات الأمن والجيش. تركزت محاضرة الأستاذ / ياسين على التقرير السنوي الشامل الذي كان مركز سويرا قد قام بتقديمه لعام 2005، والذي يعتبر أول تقرير شامل يقدمه مركز إرتري عن أوضاع حقوق الإنسان في إرتريا، بحكم أنه يغطي مساحة واسعة من تلك الانتهاكات.
- أما المحاضرة الثانية قام بتقديمها الدكتور / محمد حبيب من جامعة أديس أبابا، التي عرف فيها الكونفيدرالية والأسس التي تقوم عليها، والفرق بينها وبين الفيدرالية كنظام سياسي داخلي، وإمكانية قيام نظام كونفيدرالي بين أنظمة متماثلة أم أنظمة متباينة وغيرها من المفاهيم والمصطلحات. ثم تحدث عن أهمية العمل في المستقبل لجعل أمكانية نظام كونفيدرالي بين دول منطقة القرن الأفريقي التي يجمعها التاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة. وقال الدكتور/ حبيب إن شعوب القرن الأفريقي لم تختر أن تكون دولاً متجاورة، بل هذا هو الواقع، كما أنها لم تختر أن تكون شعوبها شعوب شقيقة لبعضها البعض، لأن الأشقاء لا يختارون بعضهم بعضاً، لكنها تستطيع أن تختار أن تكون متعاونة ويسود الوفاق والوئام والصداقة بينها، وهذا ما قصرت فيه هذه الشعوب حتى هذه اللحظة، لكن الأمور فيما بينها تسير نحو الأفضل، وما تجمّعنا هذا اليوم إلا واحداً من هذه التعبيرات عن الأخوة والصداقة والمصير المشترك بين شعوبنا.
- والمحاضر الثالث كان الدكتور / بابكر عبيد، الذي تحدث عن عملية السلام في السودان من منظور تاريخي وآخر مرحلي، كانت فيه التجربة السودانية متميزة في نظره، لم تبدأ مع بداية النـزاعات المسلحة في جنوبه، بل سبقت استقلال السودان نفسه. وعندما استقل السودان وأصبح يحكم من قبل أبنائه، لم تتمكن السلطات المتعاقبة فيه من حل معضلة أن يكون السودان بلداً موحداً تتعايش فيه كل مكوناته بسلام ووئام. وتطرق بهذا الشأن بشيء من التفصيل اتفاقيات السلام التي وقعت بين الحكومات والحركات المناهضة لها في الجنوب مرات عديدة، وحذر من ألاّ يكون نصيب الاتفاقيات الحالية أيضاً مثل سابقاتها إذا لم يتم معالجة إشكاليات السودان المتعدد الأقوام والأعراق بصورة ترضي الجميع، وتضع حلولاً جذرية للمشكلات التي ظل السودان يعاني منها.
- الدكتور / محمد كادّعمي ألقى المحاضرة الرابعة، عن تجربة جيبوتي في التعايش السلمي، وفشل هذه التجربة منذ استقلاله، رغم أن جيبوتي بلد صغير، ويتكون أساسا من قوميتي العفر والعيسى ( الصومالية) وقليل من الجالية اليمنية، إلا أن الانتهاكات التي ترتكب فيه، كما قال الدكتور/ كادعمي، كبيرة وخطيرة. وأنه هو شخصيًّا تعرض للسجن في بلاده لمدة ثلاث سنوات. كما استعرض تنقل السلطة في جيبوتي داخل أسرة واحدة، وأن الاننتخابات التي جرت لا تعدو كونها صورية. كما أن الرئيس والدولة يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة في البلاد، وأنه لا يوجد هناك في البلاد من يستطيع استثمار أمواله في القطاع الوحيد المتاح في الدولة، وهو قطاع الخدمات، دون أن تشاركه الدولة في ذلك.
- وأخيراً البروفسور / عبد الرحمن إبراهيم إبيِّ، تحدث عن غياب السلام والاستقرار في الصومال، بسبب غياب قيادات ذات كفاءة تدير شؤونه بحكمة واقتدار. واستعرض أنواعاً مختلفة من أنواع القيادة، الأمر الذي ظل يشغل الإنسانية لزمن طويل، مقارناً بين الأشكال المتباينة للقيادة. كما تحدث عن تجربة الحكومة الانتقالية المؤقتة في الصومال، واعتبرها تجربة في ضبط الأمن والاستقرار، إلى أن جاء اتحاد المحاكم الإسلامية ليسيطر على الوضع بصورة لم يسبق للصومال أن شهد لها مثيل، بحيث أصبح المواطن الصومالي آمناً في شوارع مقديشو والمدن الأخرى التي تسيطر فيها المحاكم الإسلامية، وهذا في حد ذاته يكفي – في نظره – لإعطاء المحاكم مشروعية الاستمرار والمشاركة في السلطة، إن لم تسيطر عليها بالكامل. وأضاف أن اتحاد المحاكم الإسلامية يكفيه شرفًا أنه قضى في جزء كبير من البلاد على ظاهرة أمراء الحرب.
- وفي اليوم الثالث للمهرجان، أي في 19/11/2006، كان ذلك اليوم مخصصاً لورش العمل التي أشرف على الأولى منها الأستاذ / عبد الرحمن سيِّد ، الذي أدار باقتدار الندوة العامة ( Panel discussion) التي حضرها سائر المحاضرين، وتمكن الجمهور من طرح أسئلة عليهم، بحكم أن برنامج يوم الندوات كان مزدحماً للغاية. أما ورشة العمل الأخرى فقد أشرف عليها رئيس المعهد السويدي الصومالي / عبد الرزاق آدم. كما خصص السيمنار وقتاً كافياً للحضور للتقدم بتوصياته للنشاطات المقبلة ولكيفية العمل معاً في السويد بين منظمات المجتمع المدني من دول القرن الأفريقي العاملة في السويد.
- أشاد الحضور بمستوى الأداء والتنظيم الذي ميز هذا المهرجان، بل اعتبره البعض خطوة متميزة نوعياًّ لم تشهد ستوكهولم مثيلاً لها، مماّ دفع البعض بتشديد توصياته لتكرار مثل هذا النشاط الهام والمتميز، وذلك لتوطيد وتمتين أواصر الأخوة والصداقة بين شعوب القرن الأفريقي، ولزيادة معارفنا بما يربط هذه الشعوب من علاقات أزلية ومصالحة مشتركة.
- مرفـق مع هذا التقرير جزء من المحاضرات التي ألقيت في السيمنار، بالنسبة للمشاركة الإرترية التي قدمها الأستاذ / ياسين محمد عبد الله مقدمة باللغتين العربية والإنجليزية، وباللغة الإنجليزية فقط بالنسبة للمشاركات الأخرى.
-
- أوضاع حقوق الإنسان في القرن الإفريقي: إريتريا نموذجاً
- 1. مــدخل
- ليست هناك دولة من دول القرن الإفريقي لم تشهد حروبا داخلية أو نزاعات مسلحة مع واحدة أو أكثر من جاراتها خلال العقد الماضي. وتعاني أغلب هذه الدول من المجاعات بصورة شبه دائمة بسبب الجفاف وسوء توظيف موارد الدولة الشحيحة أصلا. ويعيش أغلب سكان الإقليم تحت خط الفقر وتنتشر بينهم الأمراض بصورة مرعبة بسبب تردي أحوال البيئة وضعف الخدمات الصحية. وتنتشر الأمية في دول المنطقة، وتعد فرص الحصول على التعليم فيها من أقل النسب في العالم.
- وتعاني أغلب شعوب الإقليم من البطش السياسي للحكومات ومن توغلها على مناحي الحياة كافة ومن تعطيل دور المجتمع المدني وتكبيل منظماته.
- وفي ظل الحروب ترتكب دائما أقسى انتهاكات حقوق الإنسان من قتل وتعذيب وتشريد واغتصاب وتجنيد للأطفال وامتهان للكرامة الإنسانية. وفي ظل الفقر والجوع وانتشار الأمراض يكون أهم حق من حقوق الإنسان ، الحق في الحياة ، مهدداً بصورة خطيرة ودائمة. وفي ظل الأنظمة الديكتاتورية تحرم الشعوب من حقها في إدارة شؤونها، وانتخاب حكامها ومحاسبتهم وتغييرهم وتنتهك الحكومات حق التعبير والحريات الدينية والحقوق المدنية. وفي ظل الأنظمة غير الديمقراطية ترتكب انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان وغالبا ما يفلت الجناة من المحاسبة في ظل قصور التشريعات أو تبعية القضاء للسلطة التنفيذية أو حتى خوف الضحايا من اللجوء إليه.
- ومع إن أوضاع حقوق الإنسان في الإقليم شهدت في السنوات القليلة الماضية بعض التطورات الإيجابية بسبب حل بعض النزاعات أو تجميدها وبسبب التحولات السياسية الداخلية وزيادة فعالية الرقابة الدولية لتطبيقات حقوق الإنسان، إلا أن هذه التطورات تظل قاصرة ولا تستجيب للمعايير الدولية لاحترام حقوق الإنسان وتُبقي انتهاكات حقوق الإنسان في منطقة القرن الإفريقي واحدة من أهم التحديات أمام نشطاء حقوق الإنسان وحركات الإصلاح السياسي والمنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان في الإقليم والعالم.
- 2. إريتريا: الوضع الأسوأ
- تعد إريتريا آخر دولة نالت استقلالها من بين دول إقليم القرن الإفريقي ( 1993) صاحبة أسوأ سجل في مجال حقوق الإنسان في الإقليم. وبأخذها كنموذج نستطيع أن نطلع على التطبيقات المختلفة لحقوق الإنسان في الإقليم مثل الافتقار للتشريعات التي تحمي هذه الحقوق ،عدم احترام الموجود منها، الانتهاكات المتواصلة والشاملة لحقوق الإنسان، تدني الوعي بمواثيق وآليات حقوق الإنسان بين المواطنين، عدم احترام الدول لالتزاماتها الدولية في هذا المجال وضعف منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان أو عدم وجودها أصلا.
- تصنف إريتريا ضمن أكثر دول العالم فقراً حيث يعيش الفرد فيها بأقل من دولار واحد في اليوم. ويعتمد ثلثا سكانها على المساعدات الخارجية. وتوجد في إريتريا واحدة من أعلى نسب سوء التغذية في العالم فحسب تقرير التنمية البشرية الصادر عن الأمم المتحدة في عام 2005 يولد 21% من الأطفال الإريتريين بوزن أقل من الطبيعي. ويبلغ ما تصرفه الحكومة على الصحة 2,1% من صافي الناتج المحلي فقط، ولا تتوافر المرافق الصحية سوى لـ 9 % من السكان، وتتوفر المياه الصالحة للشرب لـ 57% منهم فقط. وبينما تصرف هذه الحكومة 4,1 على التعليم بلغت نسبة صرفها على المجال العسكري 19,4% من صافي الناتج المحلي للبلاد لتحتل إريتريا بذلك المرتبة الأولى من بين دول العالم للصرف في المجال العسكري قياسا إلى صافي الناتج المحلي كما جاء في التقرير المشار إليه أعلاه .
- وبسبب عدم التزام الحكومة بالفترة التي يحددها القانون لاداء الخدمة الوطنية وضيق فرص التوظيف والاضطهاد الديني والسياسي يفر من البلاد عشرات الأفراد يوميا ويعبرون الحدود إلى كل من السودان وإثيوبيا. وقد أطلقت قوات الأمن خلال هذا العام النار عدة مرات على الهاربين ووُجدت جثث لمجهولين بالقرب من الحدود الإريترية – السودانية يعتقد إنها لبعض هؤلاء الهاربين. ومات خلال هذا العام أيضا غرقا في حوادث متفرقة العشرات من اللاجئين الإريتريين الذين حاولوا الهجرة بطرق غير شرعية إلى أوروبا بحثا عن مستقبل أفضل. وبسبب ظروف القمع السياسي والديني وأساليب تطبيق قانون الخدمة الوطنية لم يعد إلى البلاد مئات الآلاف من اللاجئين الذين هربوا منها أثناء حرب التحرير.
- ولا تزال البلاد تعاني من آثار الحرب مع إثيوبيا، فأغلب الذين شردتهم الحرب لا يزالون يعيشون في مخيمات تفتقر لأبسط شروط الحياة الإنسانية، ويتعرض الذين عادوا منهم لأماكن سكنهم لخطر الألغام التي لم يتم انتزاعها حتى الآن.
- ومع أن الحكومة الإريترية صدقت على بعض المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان مثل اتفاقية حماية الطفل(3/8/1994)،اتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة (5/9/1995)، العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (17/4/2001) والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ( 22/6/2002) ، إلا أن هذه الحكومة لا تحترم التزاماتها الواردة في هذه المواثيق وترتكب أشنع الانتهاكات سنوردها لاحقا.
- 3. انتهاكات حقوق الإنسان في إريتريا
- أعلنت إريتريا نفسها دولة مستقلة في الرابع والعشرين من مايو 1993، وحازت فور إعلانها هذا على اعتراف المجتمع الدولي بما في ذلك إثيوبيا، الدولة التي كانت تحتلها. لكن البلاد وبعد مرور أكثر من ثلاثة عشر عاماً على استقلالها لا تزال تحكم بلا دستور حيث جمدت الحكومة الدستور الذي أقرته لوحدها في عام 1997 بمجرد إقرارها له. ولم تجر في إريتريا أي انتخابات عامة منذ الاستقلال والحكومة الحالية حكومة مؤقتة كان يفترض أن تحل محلها حكومة منتخبة منذ إقرار الدستور. وتتركز السلطات في الدولة كلها في يد الرئيس ، والمؤسسات الموجودة شكلية مثل مجلس الوزراء الذي لا ينعقد إلا عندما يدعوه رئيس الدولة. وليس في البلاد برلمان منتخب والمجلس الوطني الذي يقوم بمهام البرلمان هو هيئة صورية غير منتخبة تتكون من قيادة الحزب الحاكم ومن ممثلين للأقاليم ولم يجتمع منذ فبراير 2002 عندما دعي لتثبيت اتهام الخيانة العظمى الذي وجهه الرئيس أسياس أفورقي إلى بعض معارضيه من أعضاء المجلس.
- والقضاء في إريتريا ليس مستقلا حيث تتدخل السلطة في تسيير شؤونه الإدارية وفي دوره كجهة منوط بها تطبيق العدالة في البلاد. وقد شكلت الحكومة في عام 1996 محاكما خاصة يقوم بدور القضاء فيها ضباط جيش غير مؤهلين للعمل كقضاة. وتعقد هذه المحاكم جلساتها سراً ولا يحق للمحاكمين أمامها استئناف أحكامها أو الاستعانة بمحامين. وتعيد المحاكم الخاصة أحيانا النظر في قضايا بت فيها القضاء العادي.
- وإريتريا هي الدولة الوحيدة في أفريقيا التي ليست بها صحافة مستقلة. وهي أكبر سجن للصحفيين في القارة أيضا حسب تقرير لمنظمة ( مراسلون بلا حدود).
- وتتعرض المرأة لأشكال من التمييز ولصنوف من العنف المنزلي والخارجي. وقد اغتصبت العديد من الفتيات في معسكرات الخدمة الوطنية من قبل ضباط في الجيش لم يعاقبوا على جرائمهم. ويجبر الضباط الفتيات على القيام بأعمال الخدمة المنزلية. وتدلل النسب المتدنية للفتيات في المؤسسات التعليمية - والتي تبلغ، حسب تقرير التنمية البشرية المشار إليه 40 % في المرحلة الابتدائية و18% في المرحلة الثانوية وبلغت 14% في جامعة أسمرا في عام 2003 حسب تقرير الحكومة الإريترية المقدم للجنة المرأة المسؤولة عن تطبيق اتفاقية القضاء - على كل أشكال التمييز ضد المرأة والذي نوقش أمام اللجنة في نيويورك في يناير الماضي ، تدلل هذه النسب على ما تعانيه المرأة الإريترية من تمييز واضطهاد. ولا تلتزم الحكومة بما ينص عليه القانون فيما يتعلق بالتجنيد للخدمة الوطنية حيث تجند أطفالاً في أعمار أقل من السن القانونية وأشخاصاً تجاوزوا تلك السن.
- 3.1 الحريات العامة:
- أ/ حرية النشاط السياسي : تحظر الحكومة الإريترية إنشاء الأحزاب السياسية في البلاد وينفرد حزبها، الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة، بالسلطة، ويحتكر ممارسة النشاط السياسي. وليس من حق المواطنين تغيير حكومتهم بصورة ديمقراطية حيث لم تجر في إريتريا أي انتخابات عامة منذ نيلها استقلالها في عام 1993.وقد أجلت الانتخابات العامة التي قرر المجلس الوطني إجراؤها في ديسمبر 2001 إلى أجل غير مسمى.
- ولم تنظم الانتخابات الإقليمية التي أجريت في 2004 وفقا للأصول المتبعة في إجراء الانتخابات فقد منع على المرشحين تقديم وعود للناخبين والقيام بأية دعاية بما فيها تعليق صورهم. وألغيت نتائج بعض هذه الانتخابات لأن المرشحين قدموا وعوداً للناخبين. وفي الانتخابات الإقليمية التي جرت بين وحدات الجيش فاز قادة هذه الوحدات بتمثيل وحداتهم الأمر الذي يدلل على أولوية التراتبية القيادية على حق الاختيار.
- ب/حق التجمع السلمي والتنظيم: تمنع الحكومة المواطنين من حق التجمع السلمي فأي تجمع لأكثر من خمسة أشخاص يعتبر غير قانوني ويعاقب عليه القانون.وتمنع الحكومة أيضا إنشاء نقابات أو جمعيات مستقلة. والنقابات المصرح لها بالعمل في البلاد هي تلك التابعة للحزب الحاكم فقط.
- ج/ الحق في الخصوصية:لا تحترم الحكومة الخصوصية الفردية فتراقب الهاتف والبريد العادي والالكتروني، وتتسلق قوات الأمن أسوار المنازل وتقتحم البيوت دون الحصول على الإذن الذي يفرضه القانون غالبا تحت حجة البحث عن المتهربين من أداء الخدمة الوطنية.
- د/ الحق في الحصول على محاكمة عادلة: القضاء في إريتريا ليس مستقلا ولا تحترم السلطة التنفيذية الأحكام الصادرة عنه. ومع أن القانون يحدد فترة معينة قبل تقديم المتهمين للقضاء إلا أن بعض الأشخاص أمضوا أكثر من عشرة أعوام قبل أن يقدموا للمحاكمة.وقد أنشأت الحكومة في عام 1996 محاكماً كانت مختصة عند إنشائها بالنظر في قضايا الفساد لكنها صارت لاحقا تنظر في القضايا كافة. ولا تتوافر للمتهمين في هذه المحاكم أي ضمانات. فالمحاكم تعقد جلساتها بصورة سرية ولا يحق للمتهمين الحصول على استشارات قانونية ولا استئناف الأحكام الصادرة ضدهم. وفي بعض المرات لا يحضر المتهم محاكمته ويبلغ فقط بالحكم الصادر بحقه.
- هـ/ حرية التعبير: تمنع الحكومة كل أشكال التعبير الحر عن الآراء فليس في البلاد صحافة مستقلة بعد أن أوقفت الحكومة إصدار الصحف المستقلة في سبتمبر 2001 واعتقلت عشرة من الصحفيين العاملين فيها. وتحتكر الدولة البث الإذاعي والتلفزيوني وتمنع دخول المطبوعات الأجنبية وهي تضيق على المراسلين الأجانب وقد سبق لها أن طردت بعضهم. كما تفرض الحكومة رقابة على الانترنت تحت حجة حماية الشباب من المواقع الإباحية.
- 4. الحريات الدينية
- تفرض الحكومة قيوداً على كل الأديان في البلاد. وقد أقالت هذا العام البطريريك انتونيوس رئيس الكنيسة الأرثذوكسية أكبر كنيسة في البلاد من منصبه وفرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله. وتتدخل الحكومة الإريترية في إدارة الطوائف الدينية لشؤونها الإدارية والمالية وتقوم من وقت إلى آخر بمصادرة بعض ممتلكاتها و حساباتها المصرفية.
- وتتدخل السفارات الإريترية في الشؤون الدينية للإريتريين في دول المهجر وقد منعت السفارة الإريترية في الخرطوم خلال هذا العام أحد القساوسة التابعين للكنيسة الأرثوذكسية من العمل بسبب رفضه توجيهات السفارة وتعرض هذا القسيس لما يعتقد إنه محاولة اغتيال حيث ضرب من قبل مجهول بجسم سام أدى إلى إصابته بتسمم في الدم لا يزال يتعالج منه في إحدى المستشفيات السودانية حتى الآن.
- ويوجد في السجون الإريترية الآف من رجال الدين الذين اعتقلوا بسبب &
